مال و أعمال

استثمار حدائق في دمشق: رسالة تنموية مؤجلة أم خصخصة مبطنة؟

استثمار حدائق في دمشق: رسالة تنموية مؤجلة أم خصخصة مبطنة؟
إعلان ممول إعلان

متابعين انستجرام

اطلب الان

اكتشف المزيد

بقلم: ديانا الصالح

أثار استثمار حدائق في دمشق موجة جدل واسعة، قسمت الشارع السوري إلى مؤيد يرى فيها فرصة للتأهيل والتطوير ولو كانت مدة الاستثمار طويلة، وتيار آخر معارض كونها على حساب المواطنين وحقهم في المساحات الخضراء، وما بين التأييد والمعارضة تظهر قضية أكثر أهمية: هل تغطي الإعلانات الجذابة والبدلات الرسمية الأنيقة بعد كل توقيع أو طرح، أهمية الشفافية والتفاصيل الحساسة؟

للمزيد تابع مقالنا التالي..

جدل استثمار حدائق في دمشق

أعلنت محافظة دمشق مؤخراً طرح حديقتي المدفع والبرامكة إلى جانب المقسم 50 للاستثمار لمدة 40 عاماً وفق نظام BOT، بأهداف مُعلنة تتمحور حول التطوير وإعادة التأهيل، لتثار بعد ذلك موجة من الانتقادات التي طالت مدة الاستثمار كونها تقارب نصف قرن وتختزل جيلاً كاملاً، وفقاً لمراقبين.

ويأتي الإعلان تحت إطار تحسين جودة الحياة، وتطوير المرافق العامة وتأمين متنفس آمن ومجاني، مع ذكره لعدة تفاصيل تخص المستثمر كسعر دفتر الشروط وموعد فض العرض والتأمينات الأولية، مع ضبابية التفاصيل الأخرى كمدة التنفيذ ومراحله، وشكل الإغلاق (جزئي أم كلي؟)، وغير ذلك من المعطيات التي يمكن على أساسها بناء نظرة متكاملة حول نجاعة مثل هذه الاستثمارات، وسط غياب للبدائل الخضراء المؤقتة، وعدم توضيح الشروط المفروضة على المستثمر بحال إخلاله في هيكلية الحديقتين، اللتين سيتم إخراجهما من الخدمة العامة لمدة زمنية مفتوحة دون سقف منطقي.

كما يذكر الإعلان عدة مشاريع خدمية تجارية ستقام تحت أرض هذه المرافق، إلى جانب تشييد فندق خمس نجوم في المقسم 50، وعلى الرغم من توضيح الإعلان عدم المساس بالمساحات الخضراء، إلا أن ذلك أثار ريبة العديد من خبراء البيئة لما يمكن أن يحمله من تلوث وتغيير بالشكل العام لتلك المرافق، خاصة وأن مدة العقد طويلة جداً بالنسبة لهذا النوع من الاستثمارات دون وجود مبرر صريح لتلك المدة وفقاً لخبراء اقتصاديين.

وتتجلى مخاوف الأوساط البيئية والشعبية، باحتمالية تحويل تلك المرافق إلى خصخصة غير مُعلنة، مع حرمان المواطن من دخول تلك الحدائق دون دفع اشتراك، لتمثل بذلك جريمة بحق العاصمة كونها مكتظة بالسكان والعمران، بالتالي تمثل تلك الحدائق رئة المدينة ومتنفس سكانها، ما يبرز ضرورة التأكيد على القيام بدراسات بيئية وهندسية قبل الشروع بأي طرح أو توقيع، لا سيما وأن المشاريع المطروحة تجارية أكثر منها خدمية.

فيما يعرب ناشطون عن مخاوفهم من إعادة مشهد حديقة الجلاء التي تم قطع العديد من أشجارها القديمة مؤخراً من قبل مستثمريها بموافقة رسمية من المحافظة، الأمر الذي سبب سخطاً شعبياً واسعاً.

الإطار القانوني

يرى حقوقيون أنه يجب إشراك المجتمع المدني في هكذا قرارات تمس ملكيته العامة، وذلك من خلال الشفافية والوضوح في التفاصيل وإلقاء الضوء على كافة المعطيات، للتحقق من جدواها الاقتصادية وقدرتها على تحقيق مصالح المجتمع، مشيرين إلى أن مدة العقد طويلة جداً بالنسبة لمرفق عام فهو ليس من الاستثمارات الضخمة كالمطارات أو الميناء، ويجب أن تكون المدة أقصر فلا تتعدى 25 عاماً، خاصة في حالة استثمار حدائق في دمشق.

وتؤكد المادة الرابعة عشرة من الدستور السوري 2012 أن كلاً من الثروات الطبيعية والمرافق العامة إلى جانب المؤسسات والمنشآت، ملكية عامة، وتقوم الدولة باستثمارها ومتابعة إدارتها بما يحقق مصلحة الشعب، كما تنص المادة على دور المواطنين في حمايتها.

وإلى ذلك، تنص أيضاً المادة السادسة عشرة من الدستور الحالي على أن جميع الموارد والثروات الطبيعية تعتبر ملكية عامة، وتعمل الدولة على حمايتها واستثمارها لصالح المجتمع ككل.

انطلاقاً مما سبق، يتضح الدور الهام الذي يمكن للمجتمع المدني أن يلعبه في تلك القرارات المتعلقة بطرح أماكن ومرافق عامة للاستثمار، فضلاً عن حقه بمعرفة مختلف التفاصيل، ليتمكن من تقدير مدى تحقيق هذه الاستثمارات لمصلحته وفقاً لما ينص عليه الدستور، فالشفافية هي محور أي استثمار تنموي يهدف نحو موازنة مختلف المصالح وليست مصلحة جانب على حساب الآخر.

فيما يمثل غموض التفاصيل المتعلقة بالجدوى الاقتصادية وقيمة الأرباح والتوزيع وغيرها من البيانات المتعلقة بالأطر القانونية والتنظيمية وآليات الرقابة والمحاسبة، في حال الإخلال، انعكاساً ضمنياً لانعدام الشفافية حول مسألة استثمار حدائق في دمشق، حسبما أفاد خبراء اقتصاديون.

إيرادات مليارية وعلامات استفهام

ينتقد ناشطون عدم قيام محافظة دمشق نفسها باستثمار هذه المرافق رغم ما حققته من زيادة ملحوظة في قيمة الإيرادات الناجمة عن استثمار الأملاك الخاصة والعامة، والتي وصلت إلى 100 مليار ليرة في أواخر عام 2024، وفقاً لما أكده مدير الأملاك بمدينة دمشق بشار الأشقر.

تفتح هذه التصريحات الرسمية السابقة عدة تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء تحويل معظم أرباح استثمارات هذه المرافق بعيداً عن خزانة المحافظة، بالوقت الذي يمكنها فيه أن تحتفظ بمجمل هذه الأرباح وحدها، استناداً للإيرادات التي تمكنها من قيادة دفة الاستثمار دون أي خسارة أو حرمان متوقع للمواطن وحقه العام بتلك المساحات، لا سيما وأن الأشقر قد أكد عبر تصريحاته السابقة أنه بالنسبة للأملاك العامة فقد تم تحقيق زيادة تقدر بـ 25 مليار ليرة خلال عام 2024، أي ثلاثة أضعاف القيمة التي حققتها خلال عام 2023 والتي سجلت فيها نحو 7 مليار ليرة.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى القانون المالي للوحدات الإدارية رقم 37 عام 2021، الذي يقوم بمهمة الإشراف والتنظيم الخاصة بعملية تحصيل وتوزيع الإيرادات بين الخزانة العامة للدولة من جهة والوحدات الإدارية من جهة أخرى، هو ما يحدّ من قدرة المحافظة على إدارة الإيرادات المحلية بشكل كامل أي أنه ليس لديها الحرية المطلقة بالتصرف، الأمر الذي يعزو احتمالية عدم توجهها نحو انتهاز فرصة الاحتفاظ بالأرباح وفقاً لرأي عدد من القانونيين.

يبقى الاستثمار المطروح علامة استفهام كبرى حول الآلية التنموية المتبعة في اتخاذ مثل هذه القرارات دون تسليط الضوء بشكل وافٍ على التفاصيل الأهم من تلك المعروضة في الإعلان، والتي تتجلى بدراسة الجدوى الاقتصادية والأرباح المتوقعة إلى جانب الدراسات البيئية وغيرها من البيانات التي تعكس الشفافية المطلوبة في كل توقيع استثماري يهدف إلى تحقيق التنمية الفعّالة الحقيقية، وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يعكس استثمار حدائق في دمشق غداً تنموياً أفضل أم علامة بيع مؤجلة؟

اقرأ أيضاً: ما معاني نماذج BOO وBOT المعتمدة في اتفاقية الطاقة السورية؟

إعلان ممول

متابعين انستجرام

اطلب الان

التفاصيل
إعلان
رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.

إعلان إعلان
إعلان