بقلم: ديانا الصالح
في خطوة تعكس استجابة حكومية سريعة لضغط الشارع، قررت الشركة السورية للبترول السماح لمشغلي المحطات بتسديد أسعار المحروقات بالليرة السورية بدلاً من الدولار، عقب وقفة احتجاجية أمام مبنى وزارة الطاقة.
وبينما يرى البعض في القرار محاولة لامتصاص الغضب والحفاظ على استمرار وانسيابية المواد، يثير هذا التراجع جدلاً حول الآلية المتبعة في اتخاذ القرارات الاقتصادية الحساسة، وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل ملحّ: هل يمثل هذا القرار حلاً لأزمة التوزيع الخانقة أم أنه مجرد أداة ترقيعية لسياسة نقدية تعاني خللاً بنيوياً، وفقاً لما يصفه اقتصاديون محليون؟
أسعار المحروقات بالليرة السورية
سمحت الشركة السورية للبترول لأصحاب محطات المحروقات بتسديد ثمن المشتقات النفطية بالعملة السورية بدلاً من الدولار، استجابةً لمطالب وقفة احتجاجية أمام مبنى وزارة الطاقة السورية.
ووفقاً لبيان الشركة، يأتي التراجع عن قرار إلزام محطات الوقود بدولرة قيمة التسديدات، في إطار تعزيز مرونة العمل أمام المالكين وضمان الاستمرارية والمحافظة على استقرار السوق.
فيما صدر القرار بالتنسيق بين كل من وزارة الطاقة والمصرف المركزي إلى جانب الجهات المعنية، التي أشارت إلى استعدادها لاتخاذ كافة التدابير والإجراءات لتحقيق استقرار الإمدادات وتلبية الطلب المحلي.
وفي هذا السياق، رحب الباحث الاقتصادي علي محمد، بالقرار الأخير، مشيراً إلى أنه إجراء صائب ومنطقي للتخفيف من أعباء مشغلي المحطات في تأمين العملة الأجنبية، مؤكداً أن دولرة التسديدات أدت إلى تراجع قيمة الليرة السورية، حيث شهد سعر الصرف ارتفاعاً ملحوظاً وصل إلى 500 ليرة خلال أيام فقط.
في المقابل، يرى اقتصاديون أنه على الرغم من أهمية هذا التحرك الحكومي السريع لامتصاص الغضب المهني واحتواء الموقف لضمان الاستمرارية وتلبية الاحتياجات المحلية، إلا أنه يطرح تساؤلات حول مدى قدرة النظام المالي على استيعاب هذه الكتلة النقدية الجديدة بعيداً عن تقلبات الصرف.
فقد تحدث العديد من الخبراء الاقتصاديين عن ضعف الثقة بالعملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم، مما يعكس خللاً بنيوياً في السياسة النقدية والاقتصادية، وفي هذا الصدد يؤكد الباحث الأكاديمي عبد الرحمن محمد معاناة الاقتصاد السوري من موجة تضخم حادة، في ظل انخفاض قيمة الليرة السورية والاعتماد على الاستيراد، ما يفاقم الضغوط على القدرة الشرائية.
علاقة دولرة التسديد بأزمة التوزيع
تتوارد تساؤلات ملحة من قبل متابعين على وسائل التواصل الاجتماعي حول مدى تأثير هذه المرونة التي وصفتها الشركة السورية للبترول (تسديد أسعار المحروقات بالليرة السورية)، في تخفيف أزمة التوزيع ومشاهد الطوابير في دمشق وريفها، لا سيما بعد تأكيدها على ضمان المصلحة العامة، مما يعكس حجم المعاناة التي يدفع ثمنها المواطن السوري من جيبه المادي والنفسي.
وفي هذا السياق، يشير عدد من أصحاب الكازيات إلى أن الفجوة الصارخة بين سعر الصرف في المركزي والسوق، تجسد أحد أهم أسباب أزمة التوزيع خلال الفترة القليلة الماضية، نتيجة للجوء عدد من المحطات إلى تقليص حجم المبيعات أو توقيفها ريثما يُعاد النظر بآلية التسديد.
على الرغم من أهمية التراجع عن تعميم إلزام أصحاب المحطات بدولرة أسعار المحروقات في سوريا، من الناحية المهنية لامتصاص الغضب ومحاولة استقرار السوق مؤقتاً، إلا أن هذا لا يشكل حلاً جذرياً لأزمة التوزيع وارتفاع الأسعار، حيث يبقى الاستيراد وتراجع الإنتاج المحلي، الجذر الحقيقي للمشكلة.
وهذا ما يتوافق مع رأي الخبير الاقتصادي رائد العباس، الذي يعزو الارتفاع المستمر بأسعار المشتقات النفطية إلى الاستيراد الناجم عن ضعف الإنتاج المحلي وعدم قدرته على تغطية الطلب بالكامل، مما يجعله متأثراً بأي تقلبات خارجية أو ارتفاع في أسعار الدولار، مقترحاً وضع خطط طويلة المدى لزيادة الإنتاج الوطني وتأهيل حقول النفط، إضافة إلى تعزيز الاحتياطي من القطع الأجنبي للتخفيف من حدة التقلبات الخارجية على السوق المحلي.
نستنتج مما سبق، أن اضطراب التوزيع وتذبذب الأسعار، يبقى رهيناً بالعوامل الخارجية مادامت جذور المشكلة لم تُحلّ، ما يعني أن أي ترقيع داخلي لن يكون ذا أثر مستدام مع غياب الإصلاحات الاستراتيجية التي تراعي عوامل التضخم وضعف العملة المحلية.
“قرارات ارتجالية”
ينتقد ناشطون محليون السياسات الاقتصادية في البلاد، مع تكرار إصدار وإلغاء عدة قرارات وُصِفت بالارتجالية، مما يعكس حالة من عدم الاستقرار والتخبط الاقتصادي، متسائلين عن الدور الغائب للجهات المعنية في دعم الاقتصاد والليرة وسط هذه الزعزعة والإرباك.
أما الأسباب الكامنة وراء التعميم السابق على أصحاب المحطات، فتشير القراءات التحليلية إلى أنها تعود لمحاولة سد الفجوة بين تكلفة الاستيراد وسعر السوق، إلى جانب تأمين القطع الأجنبي للخزينة العامة، وضمان استمرار التوريدات واستقرارها، إلا أن هذه الدوافع ليست مجدية كتبرير لإرهاق المحطات.
وقفة احتجاجية “نعم للعملة الوطنية”
جاء قرار التراجع كما ذكرنا سابقاً بعد تنظيم وقفة احتجاجية من قبل أصحاب محطات وقود في دمشق وريفها أمام وزارة الطاقة، وسط هتافات تنادي “نعم للعملة الوطنية”، للاعتراض على تعميم إلزامهم بتسديد ثمن المشتقات النفطية بالدولار عبر المصرف المركزي، مقابل استمرار بيعه للمستهلكين بالليرة السورية.
وإلى ذلك، أكد المحتجون وقوعهم في حالة من العجز المالي نتيجة للفارق الكبير في أسعار الصرف، مع مواجهتهم لأعباء إضافية في محاولة تأمين القطع الأجنبي من السوق السوداء، بعد رفض المركزي سابقاً للتسديد بالليرة السورية.
ارتفاع أسعار المحروقات
بالتزامن مع إقرار السماح بتسديد المحطات لأسعار المحروقات بالليرة السورية، شهدت أسعار المشتقات النفطية ارتفاعاً جديداً بنسبة 2.3 و2.6%، وذلك بعد تحديد سعر الدولار في المركزي بنحو 11.975 ليرة.
وإلى ذلك، بلغ سعر البنزين أوكتان 90 بنحو 101.78 ليرة سورية لليتر الواحد، بينما وصل ليتر البنزين أوكتان 95 إلى 108.97 ليرة، كما سجل ليتر المازوت ارتفاعاً جديداً بمعدل 2.64%، حيث بلغ 89.81 ليرة، في حين سجلت أسطوانة الغاز المنزلي سعر 1257.375 ليرة، فيما وصل سعر الغاز الصناعي إلى 2011.8 ليرة.
لا شكّ أن السماح بتسديد أسعار المحروقات بالليرة السورية، خطوة منطقية لما توفره من مرونة لأصحاب المحطات وضمان استمرارية عملهم، إلا أن التراجع عن التعميم بهذه السرعة يعكس مدى ضبابية الآلية المتبعة في اتخاذ القرارات الاقتصادية، في ظل غياب خطط وطنية شاملة لحلّ جذور الأزمة المتمثلة بالإنتاج المحلي الضعيف والاستيراد الذي يرسخ التبعية للخارج.
اقرأ أيضاً: مذكرتا تفاهم في مجال الطاقة ترسمان مستقبل التعاون السوري المصري